محمد جمال الدين القاسمي
390
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 114 ] يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي على الوجه الذي نطق به الشرع . وظاهر أن الإيمان باللّه يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله . والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي ، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء اللّه ، ولا يحترزون عن معاصي اللّه ، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ تعريض بمداهنة اليهود في الاحتساب ، بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدّهم عن سبيل اللّه ، فإنه أمر بالمنكر ونهي عن المعروف ، وقوله تعالى وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ صفة أخرى جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير . والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه . وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها ، بل بمبادرتهم إلى الشرور وَأُولئِكَ أي المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة مِنَ الصَّالِحِينَ أي من عداد من صلحت أحوالهم عند اللّه تعالى واستحقوا رضاه . والوصف بالصلاح دالّ على أكمل الدرجات . فهو غاية المدح ، ولذا وصفت به الأنبياء في التنزيل . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 115 ] وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 ) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي لن يعدموا ثوابه . وإيثار صيغة المجهول للجري على سنن الكبرياء . وقرئ الفعلان بالخطاب وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ فيوفيهم أجورهم . وهؤلاء الموصوفون هم المذكورون في آخر السورة : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ . . . [ آل عمران : 199 ] الآية . تنبيه : قال البقاعيّ : أرشد السياق إلى أن التقدير : وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات وقال الرازيّ : لما قال تعالى : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ . كان تمام الكلام أن يقال : ( ومنهم أمّة مذمومة ) إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر . وتحقيقه : أن الضدين يعلمان معا . فذكر